يخيّل للناظر الواقف على السواحل الطرطوسية أن تلك الصخرة الحجرية التي تبعد عنه 3 كيلومترات هي مجرد بقايا آثار من العهود السابقة، أما عند الاقتراب منها يرى أنها أم لـ 5 جزر صغيرة مهجورة، إلا أنه في الوقت ذاته يكتشف أنها الناجي الوحيد … “جزيرة أرواد”.

أرواد بين القبلية والشمالية:

على مساحة لا تتجاوز 400 ألف متر مربع، تمتد هذه الجزيرة السورية الوحيدة المأهولة بالسكان، وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة إلا أنها تقسم إلى قسمين أرواد الشمالية وأرواد القبلية، يفصل بين القسمين عدة أمتار، وتسجّل قيود الأرواديين في السجلات الحكومية على أساس المنطقتين، إلا أن الغريب في الأمر هو اختلاف لهجات القسمين نوعاً ما.

وكما عادة كل العرب يرى كل منتمٍ إلى إحدى المنطقتين أفضليتها على الأخرى، الأمر الذي كان في السابق يؤخذ في عين الاعتبار، فكانت تقوم العديد من الخلافات والمناوشات في حال نقاش أشخاص من الطرفين حول المنطقة الأفضل، لتتطور إلى عراك أحياناً في مواسم الأعياد كطقس واجب، أما الآن فقد أصبح الأمر أداة للتندر.

مكان لصنع القوارب في أرواد

من أرفاد إلى أرواد.. ثم الزّيرة:

أُطلق على جزيرة أرواد في عصر الفينيقيين “أرفاد” ومعناها الملجأ، وفي اليونانية كانت تسمى “أرادوس”، إلى أن كنّا ندرسها بعد ذلك في كتبنا المدرسية على أنها “جزيرة أرواد”، وذلك أمر يعرفه من يقطن خارج محافظة طرطوس، أما سكان كل من أرواد وطرطوس فقد ابتلعوا حرف الجيم من كلمة “جزيرة” على مر العصور، ليصبح اسم أرواد “الزّيرة” أو “الزّيري” باللهجة المحلية.

مكان لاصطفاف القوارب أمام الجزيرة

لا تجارِ أروادياً في النرجيلة:

إن أكثر ما يميز تلك البقعة الجغرافية المحاطة بالمياه هي عشق سكانها للنرجيلة، فلا تعد النرجيلة، في أرواد وسيلة لتمضية الوقت أو للتسلية، بل هي أسلوب حياة متكامل، لا يكاد يخلو منزل في أرواد من مجموعة مختلفة الأشكال منها، تراها في المنازل والمقاهي والشوارع، في جلسات النساء وكبار السن وفي كافة الاحتفالات التي تشهدها عائلات أرواد التي بقيت في أرواد أو حتى التي انتقلت للعيش في طرطوس، وتعد النرجيلة ركناً أساسياً لا يمكن التفريط به عند تجهيز منزل العروسين، ويفقد الأروادي نصف أرواديته عند تخليه عنها.

وقد ذكرت مرة إحدى الطبيبات “الأرواديات” أنه على الرغم من أنها لا تدخّن النرجيلة، فقد اضطرت لشراء 10 “نراجيل” عندما كانت تقوم بتجهيز منزلها عند زواجها، فهي فرض لا يمكن التنازل عنه.

تتوالى الغزوات وتنتصر الـ “أشوّي”:

على مدى تاريخها الطويل منذ القرن الـ 15 قبل الميلاد،  تعرضت أرواد للغزو عدة مرات، فقد احتلها الأكاديون،  الآشوريون، الكلدانيون، الفرس، المقدونيون، الرومان، كما تناوب عليها المماليك والعثمانيون، وصولاً إلى الاحتلال الفرنسي في عام 1915، وانتهاء بعودتها جزيرة سورية في عام 1946.

وعلى الرغم من كل ما شهدته الجزيرة من أهوال وصراعات، إلا أنها مازالت تحتفظ بلهجتها الخاصة والتي تشبه قليلاً لهجة سكان مدينة طرابلس اللبنانية، وعلى الرغم من أن معظم شبابها ورجالها يعملون في المجال البحري من صناعة السفن والتجارة بها والسفر، لكنهم ظلوا متشبثين بلهجتهم المتفردة.

تعدّ كلمة “أشوّي” كلمة استفهام وتعني “ماذا”، وبالطبع يوجد قاموس متكامل للهجة الأروادية سنعرضه في المستقبل.

صورة لقائمة بأسماء سجناء القعلة إبان الاحتلال الفرنسي

ماذا يمكنك أن تزور في أرواد؟:

تصل إلى أرواد خلال 20 دقيقة من ركوبك أحد القوارب المصطفة في طرطوس، وهناك يمكنك زيارة القلعة الأثرية التي كانت تستخدم سجناً إبان الاحتلال الفرنسي، والسور الهرقلي والقلعة والبرج الأيوبي، وذلك لمن كان يود زيارة أرواد للتنزه فقط.

أما لغرض غير التنزه، يرتاد سكان طرطوس جزيرة أرواد للسباحة هناك في فصل الصيف، إذ يعدها الكثير من الشبّان تحديداً مكاناً مناسباً للسباحة وخاصة في فترة ما بعد الظهر.

قلعة أرواد

قد تحب أرواد وقد يزعجك قلة الاهتمام بها حالياً، ربما تقرر زيارتها اليوم أو في المستقبل، لكن مما لا شك فيه أن للجزيرة تاريخاً من الصعب نسيانه، وبصمة حضارية مازال أثرها قائماً حتى اليوم.

إن كنت قد زرتها أخبرنا عن أكثر الأشياء التي أثارت استغرابك حينها، وإن لم تزرها بعد أخبرنا ما الذي ترغب في زيارته بها؟.

 تم التقاط الصور من قبل رامي حج فتوح

 

حليمة نزار صبرة

حليمة نزار صبرة

محرر محتوى

خريجة كلية التجارة والاقتصاد قسم إدارة أعمال، مدونة في موقع هاف بوست ومحررة في عدة مواقع، ومتطوعة في عدة مبادرات اجتماعية،  أنتمي للجزيرة الوحيدة المأهولة في سورية “أرواد”، وأحلم بأن يكون للسوريين أثر كبير في صناعة المحتوى العربي