“مين يشتري مني طوق الياسمين”؟!

طفلة جميلة تجوب حارات الشام باحثةً عن فتاةٍ عاشقة للياسمين أو محبوبٍ يهدي لمحبوبته ذلك الطوق وربما عن عجوز تسترجع ذكرياتها العتيقة معه …

نعم !! أعتقد أننا جميعاً كسوريين لدينا ذلك الهاجس بحبّنا لتلك الزهرة البيضاء، والتي ينسبها الكثير إلى الجنة ….

الياسمين الدمشقي والأساطير القديمة :

هل رأيت ذلك التناغم بين الكلمتين؟ انهما كأحجار، الأفضل أن يبقيا ملتصقين ببعضهما، ارتبطت تلك الزهرة عزيزي القارئ بمدينة دمشق ارتباطاً وثيقاً وأصبحت رمزاً طبيعيّاً من رموزها ويكفي أن تمرَّ في الصيف في سكون الليل وهدوئه لتنعمَ بروائح تشعر  معها أنك تسير في الجنة السماويّة ….

” دمشق والياسمين” تحدثت فيهما الأساطير كثيراً ومنها، فقد قيل “إن التاريخ تزوج شجيرة ياسمين فأنجب منها دمشق “، نعم هي الياسمينة الدمشقية التي انتشرت في بيوتها وحدائقها وكل زاوية في حاراتها، فتصدر الياسمين عاصمة للشام ..

هوية الدمشقي الأخرى:

عن هوية الشعب الياسمينيِّ أيضاً سأتحدث، بقيت هذه البيضاء هوية الشعب الدمشقي والسوري على وجه العموم، عندما سألت أمي عن سبب هذا الارتباط الملفت أجابت: إنها ذوق الدمشقيّ يا ابنتي، فعلى مرِّ العصور عُرف الدمشقيون بذلك الأمر إنه أشبه بطابع عام لا يمكن محوه أبداً ..

رسائل التاريخ للياسمين :

كُثر هم الشعراء الذين تغنّوا بجمالها، والشعر أكثر أنواع البوح العشقي تعبيراً، إذ قال فيها الأندلسي ابن الآبار ” فتلك عروش الياسمين وزهره ….. كزهر النجوم وسط أفلاكها تبدو”

وبالتأكيد لن ننسى الدمشقي نزار قباني الشاعر العاشق للشام وياسمينها وهو الذي أهدته دمشق “أبجدية الياسمين” حسب تعبيره، حتى إنه في أواخر عمره قال: “إنني أرغب في أن ينتقل جثماني بعد وفاتي إلى دمشق ويدفن فيها في مقبرة الأهل لأن دمشق هي الرحم الذي علّمني الشعر وعلمني الإبداع وأهداني أبجدية الياسمين” وكان له ذلك …

“لا تعتذر عما فعلت في الشام

أعرف من أنا وسط الزحام

يدلّني قمر تلألأ في يد امرأةٍ

عليَّ يدلّني حجر توضّأ في دموع الياسمين ثم نام “

هكذا تغنّى بها محمود درويش أيضاً …

ولن نغض الطرف عن رجل القانون والأدب والفكر الأستاذ نجاة قصاب حسن إذ قيل عنه إنه العاشق الدمشقي الذي يفيض كنهر عذب جمالاً وحكمة وذكريات وأفكارا…

وبالتطبع التغنّي بالياسمين ودمشق لم يكن حكراً على الشعراء والمثقفين إذ تستطيع أن ترى صوره أينما ذهبت ولكلٍّ طريقته، فإني أكاد أزعم أنه لا وجود لبيت قديم أو حارة عتيقة إلّا وكانت شجرة الياسمين حجر الأساس، إنه يتدلّى بجماله المفتح للعيون وأريج عبقه على شرفات المنازل وجدرانها وحدائقها وغطّى أدراج البيوت ومداخلها وعتباتها وعطّرت رائحته المساءات والأزقة الضيقة حتى عُرفت بمدينة الياسمين …

ولكن يبقى السؤال الأهم الذي يدور في رأسي … ما هو سرُّ بقاء رمزيّة زهرة الياسمين إلى الآن؟ أعتقد أنها انتقلت بعدة حقب وعصور مهمة ولكنها بقيت تراثاً شعبيّاً يعبر عن الماضي والحاضر والمستقبل …

عجباً كم هي معاصرة لنا !! بكل مراحلنا بقيت معنا ..

لماذا لم يرمزوا لها بالوفاء ؟ أعتقد أنها كذلك .. ما رأيك أنت ؟؟

رغد شربجي

محرر محتوى

طالبة هندسة جينات

مهتمة بالتراث السوري وكل ما يتعلق بسوريا