القدود الحلبية..إرث يمتد لعشرات السنين

بواسطة | فبراير 11, 2018 | مقام


حلب أمّ الطرب، عبارة جميلة نسمعها كثيراً، ولعلّ جميعنا يعلم لماذا أُطلقت هذه الصفة على حلب.
عُرف أهل حلب منذ زمن بعيد بشغفهم وحبهم للموسيقا وفنونها، فعلى مرّ العصور كان لهذه المدينة شأن كبير في كل ما يتعلق بالموسيقى وفنونها ونغماتها وآلاتها وتريةً كانت أم إيقاعية. وكان لذلك أثر كبير في حياة الحلبيين، فأنشؤوا القدود وطوروها، ومن ثم أنشدوها في زواياهم وغنوها في أعراسهم وأفراحهم.

كيف وقف محمد عبد الوهاب محتاراً في حلب؟

ولأصالة حلب ولأهلها في تذوق الموسيقا الجميلة عدة شواهد وقصص، وإحدى هذه القصص التي سمعتها تقول بأن محمد عبد الوهاب أتى إلى حلب ليحيي عدة حفلات على مدار عدة أيام، ففي اليوم الأول لم يأت لحضور حفلته إلا عشرة أشخاص.
وعندما أتى في اليوم التالي كان المسرح ممتلئاً عن أخره، مما أثار استغرابه حول بقاء المسرح في اليوم الأول فارغاً وامتلائه في اليوم الثاني.

وعندما سأل عن السر، أجابوه بأن العشرة أشخاص الذين أتوا في اليوم الأول هم عمالقة الطرب في حلب وذواقيه، أي بالمعنى العامي (السّميعة)، فإذا شهد هؤلاء العشرة بجودة ذلك المغني فذلك يعني أنه فعلاً يملك حنجرة ذهبية وصوتاً رخيماً.


حفلة طربية في قلعة حلب

القدود من الأندلسية إلى الحلبية

يعود أصل القدود إلى الأندلس، وانتقلت بعد ذلك إلى بلاد الشام وتحديداً إلى حلب، وقد حافظ الحلبيون على هذا الفن وطوروه وأضافوا له الكثير وأحيوه في مناسباتهم العامة والخاصة، لذلك اقترن اسمها بحلب، لتسمى اليوم “القدود الحلبية”.
والقدود الحلبية هي خليط من الموشحات الأندلسية والأعجمية والأغاني الشعبية، ويذكر أنها عملت بشكل كبير على الحفاظ على هوية الموسيقى العربية، حيث ساهم تعدد موضوعاتها بتحقيق انتشار أكبر لألحانها، مما عزز من تثبيت الألحان في ذاكرة الناس المحبة لهذا اللون الطربي المميز.
ويعتبر القدّ الحلبي متيناً من الناحية الشعرية، ولكن ما يميزه أيضاً هو بساطة اللحن الذي يحويه والذي طالما يتكرر مع اختلاف مقاطع النص الشعري وأدواره.
يوجد في حلب العديد من القامات الفنية التي تصدح حناجرها بطربا أصيل يأخذ السامع إلى عالم آخر يعيش فيه أجمل لحظات الصفاء والسحر، فتطرب الروحُ قبل الأذن.

القدود الحلبية تصدح في فنزويلا لـ 10 ساعات

ومن أشهرالمطربين القدماء الذين غنوا هذا اللون، الموسيقي أحمد عقيل، وأبو خليل القباني، ومارون النقاش، والموسيقي شاكر أفندي الحلبي الذي سافر إلى مصر ونقل إليها هذا الفن الجميل وعلّمه لموسيقيّي مصر.
أما من المعاصرين نذكر صباح فخري، والراحل صبري مدلل رحمه الله، وعمر البطش، وعبود بشير، وحمام خيري، وأحمد أزرق، ومصطفى هلال، ونور مهنا، ومحمد خيري والكثير غيرهم ممن كان لهم بصمة واضحة في هذا النوع من الفن.
ويذكر أن صباح فخري قد حقق رقماً قياسياً في غنائه لمدة عشر ساعات متواصلة في مدينة كاراكاس الفنزويلية.

ومن الشباك “لأرميلك حالي”.. الخطأ الأكثر تكراراً

ومن القدود والموشحات الشهيرة التي ما زالت تغنى حتى اليوم “يا مال الشام” و”قدك المياس”، ونذكر أيضاً “يا طيرة طيري يا حمامة” لأبي خليل القباني و”الفل والياسمين” من ألحان صبري الجريدي و”سيبوني يا ناس” لسيد درويش و”القراصية منين منين”، ويذكر أن القراصية هي الكرز.
ومن الأغاني الشهيرة أيضاً “فوق النا خل” أو كما هي معروفة بفوق النخل، وهنا يجب التنبيه إلى أن كلماتها الحقيقة هي “فوق إلنا خل” أي فوق لدينا حبيب، وهو هنا يصور محبوبته التي عكس ضوء القمر وجهها فلمع من الأعلى حيث تسكن، ولم يقصد بفوق النخل أن حبيبته جالسة فوق النخلة!، إذ أن محبوبته امرأة وليست بقرد!
والشيء بالشيء يذكر، فإن معظمنا قد سمع بأغنية “ومن الشباك لأرميلك حالي” ولكن في الحقيقة هي “ومن الشباك لرويلك حالي” والقصد هنا أنها تريد أن تريه نفسها من الشباك، وليس أن ترمي بنفسها من الشباك!

من بيروت إلى حلب و “ع الروزانا”

ومن أشهر الأغاني التي انتشرت في بلاد الشام عامة أغنية “عالروزانا”، حيث تقول الحكاية بأن الروزانا هي باخرة تركية كانت محملة بالعديد من البضائع أرسلتها الدولة العثمانية لبيروت لبيعها بسعر زهيد وللمضاربة على تجار بيروت، وهذا ما حصل فعلاً فتكدست بضائع التجار اللبنانيين حينها و كادت أن تفسد، فما كان من تجار حلب إلا أن اشتروا بضائع تجار بيروت وأنقذوهم من الإفلاس، فعادت الباخرة أدراجها، لتفشل في تحقيق مبتغاها.
وعربوناً لشكر أهالي حلب غنى أهالي بيروت:
((عالروزانا عالروزانا كل الهنا فيها…..وش عملت الروزانا الله يجازيها
يا رايحين لحلب حبي معاكم راح……يا محملين العنب تحت العنب تفاح ))


ونهاية نأمل أن تعود حلب لسابق عهدها وتعود إليها ليالي الطرب الأصيل لتملأ أجواءها فرحاً وطرباً.

سعد أزرق

سعد أزرق

محرر محتوى

طالب سنة رابعة هندسة مدنية