في ظلّ الشتات الذي نعيشه، وأزمة ضياع الهوية التي يعاني منها المجتمع. اجتمع عددٌ من أهالي حلب في مجموعة عبر موقع فيسبوك لجمع وتوثيق الأمثال الشعبية الحلبية تهتم بالتراث الحلبي الشفهي المتداول وبالأمثال الشعبية، يجمعها المهتمون حرصاً منهم على حفظها وإحياء التراث الحلبي. ولأن الحفاظ على التراث هدف من أهداف موقعنا أيضاً، قمنا بتسليط الضوء على هذه المجموعة، وإجراء مقابلة مع السيدة سها شعبان والتي تعتبر الأم الروحية لهذه المجموعة، والتي حدثتنا عنها.

 وفاء منه لجدته أنشأ تلك المجموعة عن الأمثال الشعبية الحلبية

 حدّثتنا السيّدة سها عن فكرة تأسيس المجموعة قائلةً: مؤسس مجموعة مموسوعة الأمثال الشعبية هو الأستاذ محمد جلبي، وكانت فكرته أن يجمع الأمثال الشعبية الحلبية وفاء منه لجدّته، وحبّاً بأحاديثها، وتخليداً لذكراها.

 تتابع حديثها عن تطوّر إدارة المجموعة: في البداية قام المؤسّس بتكريم كلّ نشيط بالمجموعة بتعيينه بالإدارة، ولكن مع مرور الوقت لم يستمر الجميع بالإدارة، ثم انضم إلى الفريق الإداري عدد من السادة والسيدات القديرين جدّاً والذين يعتبرون أنّ من واجبهم تجاه حلب  الحفاظ على تراثها العريق وهم السادة أحمد شيحان وعاطف شيخوني وعبد الخالق قلعجي والسيدات سلوى نصري وغفران زين الدين ونهلة البيك.

 تسمية المجموعة عن الأمثال الشعبية الحلبية هي سبب انضمامي لها

 تخبرنا السيدة سها أنّ ما أغراها بالانضمام للمجموعة بداية الأمر كان تسميتها الفريدة: موسوعة الأمثال الشعبية الحلبية، حيث ومض بذهنها على الفور موسوعة حلب المقارنة للعلامة خير الدين الأسدي، فهي مهتمّة بها منذ سنّ مبكّرة، كما تفخر بأنّها كانت من أوائل الذين انتظروا صدور كل جزء لاقتناءه، و كما يعود اهتمامها بأمثال حلب حتى ما قبل الموسوعة، حين كانت طالبة في المرحلة الثانوية آواخر عقد السبعينات حيث قرأت كتاب أمثال حلب وماردين للأب يوسف قوشقجي، وحتى حفظت أغلبها عن ظهر قلب.

 سهرات يوم الأربعاء ساعدتنا على تصنيف الأمثال الشعبية الحلبية

 ضبط المجموعة بأعدادها الكبيرة كان تحديّاً للمدراء، وقد حدّثنا السيدة سها عن الآليّة قائلةً: عندما بدأ الإقبال على المجموعة يتزايد وضعنا لها قوانين وسَهر جميع أعضاء الإدارة على تطبيقها والالتزام بها، مما أبقى للمجموعة هدفها الذي تلتزم به وحافظت بذلك على رونقها.

لاحظ المشرفون على المجموعة تعدّد المواضيع المطروحة وتشعّبها فلمعت بذهنهم فكرة جمع الأمثال من الناس مباشرة أيضاً كما حدث في موسوعة حلب المقارنة، وأشارت إلى أننا قد نجمع من الناس مباشرة مايفوق جمع علامة حلب المرحوم خير الدين الأسدي بعشرات السنين .. لكن بالطبع لسنا بعلمه ولا نملك جدّه ومثابرته وصبره وجلده على التوثيق.

 بدأت المجموعة بلعب دور هام بجمع الأمثال من الناس وتوثيقها، ولذلك قامت السيدة سها بتصنيف روابط المنشورات حسب مواضيع طرحها وجمعها في ملفات يسهل العودة إليها في كل حين، كما بدأت في نفس الوقت بطرح مواضيع للتداول، لحثّ الأعضاء على المشاركة، وكانت تحت عنوان سهرات, حيث كانت تحدد موعد السهرة ليلة الأربعاء، وتقام مرتين بالشهر، وتَطرح بالتناوب مرّةً موضوعاً تراثيّاً بحتاً مثل : الحمامات، سوق المدينة، حكايات الجدّات، ومرة أخرى تطرح فئة أعلام بالمجتمع مثل : نساء رائدات في حلب، رجال حلبية في مناصب سياسية، فنانون تشكيليون .. وغيرهم، كان الإعلان عن السهرة يتم قبل عشرة أيام ويبدأ الأعضاء يومها بمناقشة المواضيع المحدّدة، ومن ثمّ يتمّ توثيق روابط السهرات بملف خاص لكل سهرة.

تعاليل وهناهين احتفالا بعرس أحد الأعضاء:

 يصل عدد أعضاء المجموعة إلى 53 ألف شخص وهي على أعتاب عامها الرابع، وتشير السيدة سها أنّ المجموعة قد كبرت بسرعة لالتزامها بالتراث ولحفاظها على خطتها التي انتهجتها منذ البداية مع جوّ من المرح والمرونة، ورغمالازدياد الفائق السرعة وقتها كنّا نشعر أنّنا عائلة واحدة تكبر, كنا نتبادل الأحاديث بالألفة ورفع الكلفة, مثلاً ذات مرّة، ذكر أحد الأعضاء أنّ عرسه بعد يومين، فأقمنا له تعليلة، وهناهين وزغاريد، وأمضينا وقتاً ممتعاً.

 تشمل المجموعة عدّة فئات عمرية للأعضاء التي تتفاعل معها، هناك من تجاوزوا الأربعين من العمر من الجنسين، كما أنّ هناك عدد كبير من الشبّان والشابّات الذين يسعدهم الاطلاع والتمسّك بالتراث الحلبي وخاصّةً المغتربين الّذين أضحى التراث هو ذكريات الأهل والبيت والوطن بالنسبة لهم, كما لفتت المجموعة نظر العديد من كبار الشخصيات الجادة في حلب والتي تعمل على توثيق التراث وتحرص عليه، فانضموا إليها، وكان من بين الشخصيات باحثين وفنانين وأدباء وشعراء ومؤرّخين ومصوّرين، والكثير من أبناء حلب البرَرة.

 توثيق التراث الشفهي

 أخبرتنا السيدة سها أنّ المجموعة تهتمّ بنشر كلّ ما له علاقة بالتراث الشفهي الحلبي كالهناهين و دناديش الجدّات، وحكايات قديمة متوارثة شفهيّاً، وعادات وتقاليد ومواويل سبعاوي وشعر عامي كذلك تعابير رائجة في كل مجال، من تشبيهات لتوريات لتهكمات، كما يتم نشر خواطر ونصوص ذكريات باللهجة الحلبية العامية.

 ليست المجموعة مجرد أمثال فحسب، ولكنها تضم أيضاً ألبومات صور، حيث يقوم الأعضاء بتصوير مقتنياتهم ونشرها بالموسوعة، وحتى الآن هناك ثمانية ألبومات صور من مقتنيات البيت الحلبي قامت السيدة سها بتصنيفهم كالتالي” ألبوم للأشغال اليدوية والمطرزات وألبوم لأواني خزفية وآخر لأواني المطبخ، ألبوم وثائق، وألبوم لنباتات الزينة، ومازال التصنيف مستمراً في الألبومات”

 يتفاعل الأعضاء مع بعضهم كعائلة كبيرة

 يتفاعلون كأنهم عائلة كبيرة، وتشير السيّدة سها أن تواصل الأعضاء يكون مع الأعضاء الآخرين وليس مع الأمثال التي يطرحونها فحسب، إذ تتحلّى بعض الأشخاص بالتميّز بالطرح كما يتحلون بالدماثة والمرح، يستمتعون بالنشر ويتفاعلون مع المشاركين ويبنون معهم علاقات ودّ، حتى إنّ لبعض شخصيات المجموعة جمهورهم الخاص الذي يلتفّ حولهم ويتفاعل معهم بمجرد أن ينشروا منشورا جديداً.

 أكثر المنشورات شعبية

 في الوقت الحالي بدأ الأعضاء بالالتفاف حول التعابير الرائجة يشرحونها ويأتون بمرادفات لها وهي تأتي بسهولة وبالتداعي لذلك فهي تلاقي رواجاً كبيراً .. بينما يحتاج المثل الدقة بالإيراد وقد يختلف عليه الأعضاء كلا ًحسبما سمعه وتآلف عليه. توضّح السيدة سها أنّه لا يوجد منشور أكثر طرافة  من غيره لكن من وقت لآخر يطغى منشور أو نوع منشورات يأخذ شعبية ويتم التفاعل عليه بشكل كبير، وتشير أنه بشكل عام “حكايات الجدّات يحبها الجميع، وللشعر العامي أقطابه، بينما للمواويل السبعاوية قوالون ممتازون وناقلون متميزون وجمهور رائع”

 أمثلة جدلية

 وعند السؤال عن الأمثلة الجدلية أخبرتنا السيدة سها “لعلّ أكثر ما جعل السادة الأعضاء يبتعدون عن نشر الأمثال الجدلية، هو محاكمتهم والحكم على الأمثال التي يوردونها .. طبعا لدينا بين الفينة والأخرى مشاكل بالنشر،وستجد دوماً من قد يعترض على ايراد مثل ما، سواء بسبب لفظه أو مدلوله، وقد يكون ذلك لسبب ديني أو اجتماعي أخلاقي”.

 اكتشفنا أن مزاجنا واحد وتربيتنا واحدة

 وعن الرؤية المستقبلية للمجموعة تتحدث السيدة سها: أنّ المجموعة ماضية في خطتها وأهمّ ماحققته حتى الآن هو الحفاظ على التراث الشفهي متداولاّ بين الأعضاء وتعريف شرائح من الشباب على عادات وتقاليد لم يتعرفوا عليها قبل أن تندثر بعد أن ابتعد أغلبنا عن حلب وعن الجمعات العائلية كما أنّها نجحت في لمّ شمل الحلبيّة من أصقاع الأرض كافة من كلّ الأعمار ومن جميع المناطق بحلب, ليكتشفوا أنّ مزاجنا واحد, تربيتنا واحدة, ومذاقاتنا مشتركة, وهذا وحده إنجاز في زمن التفرقة والتشتّت.

 التوسّع لازال قائماً بمحبّة الجميع، أمّا عن أحلامها للمجموعة تخبرنا أنّ جلّ ما تتمناه أن يلتفت إليها الروّاد يأخذون عنها ويتناولونها بالفحص والتدقيق.

 حقاً إنّها موسوعة !

 نظلم مجموعة “موسوعة الأمثال الشعبية الحلبية”، إذا ما صنّفناها أنّها مجرد مجموعة فيسبوك، إنّ الجمع والتصنيف الذي قامت به السيدة سها في هذه المجموعة قد يصلح مشروعاً لموسوعة ضخمة، ويشكل مادة خاماً لعدة مؤلفات، ولا نبالغ بالقول إنّه يصلح مرجعاً لباحثٍ في التراث الحلبي، وإنّه لأمر مفائل أيضاً أنّهم مستمرون بها، تختم السيدة سها بالقول: بدأنا بحبّ كبير لجدّاتنا ومستمرون جميعاً في حبّ أمّنا حلب.

 جدير بالذكر أنّ نشاط  المجموعة قد لفت انتباه اذاعة ليالي يامال الشام فأجرت حوارا مع المشرفين، وكذلك كرمت صفحة الموسوعة التاريخية لأعلام حلب السيدة سها وذلك بنشر السيرة الذاتية لها.

 بعض من الصور المنشورة في الموسوعة والتي تسعى لحفظ التراث الحلبي

 

هبة اعرابي

هبة اعرابي

محرر محتوى

مهندسة حاسبات ماستر في الأنظمة الذكية-جامعة غرناطة