انقر لتقييم هذا المقال!
[الاجمالي: 2 المعدل: 5]

أحيا أثرها … قصةٌ نرويها عن تفاني السوريين في حماية هويتهم الثقافية.

• هل سبق لك أن قابلت أبا أحمد؟، في الأغلب لا, فهو إنسان عادي يحيا حياة طبيعية في مدينته –معرة النعمان- السورية، مهندس متقاعد،  شغوفٌ بشدة بالتاريخ والموروث الحضاري لبلده، ويعتبره هويته الثقافية التي ما انفك يدافع عنها و عمرٍ ناهز الستة والستين عاماً مع إرادةٌ صلبة للعيش وفق مبادئه السامية.

• زرناه في بيته المتواضع الذي يخيَّل لزائره للحظةٍ أنه في إحدى بيوت دمشق الأصيلة –كل حجر يروي آلاف القصص والحكايات-، استقبلنا هو و زوجته العجوز بحفاوةِ أبٍ و أمٍّ، ودعانا لتمضيةِ نهارٍ اعتيادي في حياته اليومية.

• يحظّى أبو أحمد بسمعة طيبة بين أهالي مدينته لما يُعرف عنه من مروءةٍ وشجاعة، رافقناه إلى سوق الخضار لابتياع حاجياته وشهدنا كمَّ الناس المرحبة به، المصافحة له، المطمئنة عليه.

• هو معروفٌ في منطقته, مشهورٌ بعمله البطولي، سألناه أن يحدثنا عن عمله فأخبرنا بقصته: “لبلدي تاريخٌ يضرب جذوره عميقاً لآلاف السنين، لأناس عاشوا وماتوا واندثروا وتبقى آثارهم شاهدةً على الزمن، جمعها أهل بلدي و حفظوها بأمانةٍ في متحفنا –متحف خان مراد باشا الجلبي-، وشاءت الأقدار أن يعصف بنا الزمان وتدور رحى الحرب لتطحن البلد ببشرها وحجرها وشجرها، وإن أدارها أهل الشر فنحن أهلُ الخير، جمعت حولي خيرة شباب منطقتنا واتفقنا سويةً أن نأخذ على عاتقنا مسؤولية حماية متحفنا، حماية التاريخ والحضارة من أجلنا، من أجل بلدنا، من أجل أطفالنا، من أجل العالم، من أجل النفوس النقية.

• كثيرا ما يؤلمني أن أسمع و أقابل أناساً من بلدي لا يعلمون حقاً من هم ومن أجدادهم، لا يعلمون عراقة نسبهم وأصالة أرضهم، مثل هؤلاء فرطوا بشرفهم لقاء ثمنٍ بخسٍ, يسرقون ما يستطيعون حمله من آثارٍ -هي لهم- ويبيعونها في سوقٍ سوداء لأشخاصٍ سوداويين أشرار يتاجرون بإرث الشعوب وحضاراتهم.

• كثيراً ما تعرَّض تاريخنا للاعتداء، وكثيراً ما تلقّى متحفنا هجماتٍ للنهب والسرقة، ودائماً ما كان شبابنا يحرسونه بعينٍ يقظةٍ وقلبٍ عاشقٍ هو دليلهم.

• نعم، أخفقنا مراتٍ لقلة الحيلة أمام الجبابرة، لكننا أبداً ما خُنَّا الأمانة، وارتأينا أنه من الأفضل تسليمها لأيدٍ أمينةٍ تحفظها لنا من التخريب والنهب والإتلاف، تواصلنا مع قائمي متحف حلب الوطني وسلمناهم الأمانة، فإننا وهم أهل وطنٍ واحد لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

• حملنا إليهم ما يجاوز الألف قطعة من الأحجام الصغيرة والمتوسطة التي يسهل حملها وإخفاؤها وبالتالي سرقتها، وقد حفظنا كل القطع بأرقام ورموز في سجلاتنا لتعود لنا، لتعود إلى منزلها ومستقرها مع عودة الأمان”.

• هذه قصةُ أبي أحمد، قصةُ تفاني سوري للدفاع عن ثقافته، قصة بطل من شرفاء بلدي.

• بفضله أصبح متحف المعرة –أكبر متحف فسيفساء في سوريا والثاني عالمياً بألفي مترٍ مربعٍ من الفسيفساء الممتدة حتى العصر الأكادي- آمناً.

• بمجهوده أصبح هرقل العظيم آمناً، وحُفِظت للإنسانية أسطورة ولادته وتأسيس الامبراطورية اليونانية.

• بجهده أصبح ريموس ورومولس آمنين، وحُفِظت للإنسانية أسطورة قيام روما و امبراطوريتها الرومانية.

• بفضله أصبح الثور تورودو آمناً، وحُفِظت للإنسانية أساطير قرابين الآلهة الإغريقية.

• وكذلك جداريات الكنائس البيزنطية والرومانية، والزخارف الإسلامية والسلجوقية أصبحت آمنة.

• وأيضاً البوابات والمدافن والمنحوتات الحجرية والمخطوطات أصبحت آمنة.

• من يُكافئك يا أبا أحمد؟!، وهل من مثلك يُكافأ؟!، مدفوعاً بغيرتك ومحمولاً على فعلِ الخير، أنت البطلُ من هذا الزمان –بطلٌ خارقٌ، فكنت حقاً ممن أحيا أثرها.

-القصة مبنية على أحداث حقيقية، نقلتها وصورتها إليكم رغد أكرم شعبان جوهر بتصرف-.

كن واحداً من المساهمين في حفظ الآثار من النهب والتخريب في منطقتك مع اليونيسكو UNESCO.

رغد أكرم شعبان جوهر

رغد أكرم شعبان جوهر

محررة محتوى

خريجة هندسة مدنية_ حالياً أحضر لرسالة الماستر في إدارة المشاريع الهندسية.
متطوعة في مؤسسة Be Creative، كاتبة ومترجمة في BS Business Solutions ، متطوعة حديثاً مع صندوق الأمم المتحدة للسكان.
مهتمة بالفن التشكيلي والشطرنج والكتابة والقراءة والريادة الأعمال، وأطمح لإنشاء مشاريع خدمية تنموية تعزز مفهوم المدن الذكية ولا سيّما في التعليم.