انقر لتقييم هذا المقال!
[الاجمالي: 4 المعدل: 4]

لا يُعرف المرء في عصره“، هذا ما نقشه جودت الحلبي -أحد أمهر صنّاع العود في دمشق- على زند عود أهداه لأم كلثوم عام 1955م.

العود الذي أهداه جودت الحلبي لأم كلثوم

في ورشته بداريا السورية عمل جودت بصبر، يحضر أخشاب الجوز والمشمش من أشجار الغوطة الشرقية، يقطعها لأضلاع، يعالجها بالماء والبخار لتقوى على مقاومة الزمان، يجففها، يجمعها بتأنٍ ويلصقها ثم يصقلها فيولد بين يديه ظهر العود، يكمل عمله في الصدر، يقطعه ويفتح الفتحات ويركز العوارض ويجمعه إلى الظهر، يستمر بتصنيع الزند فإما كبير القياس وإما صغيره للعازفات النساء، تشدّ الأوتار، وشهرٌ كاملٌ مرّ ليولد العود الدمشقي بصورته الحالية التي أول من صنعها عبدو النحات الشهير عام 1879م.

جودت الحلبي في ورشته بداريا السورية

مات الجد جودت ويستمر العمل على أيدي الابن بشار، والشهر يختزل لثلاثة أيام، فالآلة الآن دارت وهي التي تقطع، وهي التي تلصق وتصقل، ولكن الدمشقيون أبداً ما جهلوا سر صنعتهم وما زال عودهم -الأجود بين أقرانه- شاهداً، فهذا العود يعيش لما يقارب المئة عام دون صيانة وكلما تقدّم به العمر جاد صوته وزاد سحره وهو الذي “صُنِع بسحر“.

للعود سبعة مقامات أساسية: صبا، نهاوند، عجم، بيات، سيكا، حجاز، رست. إن جمعت حروفها الأولى لهذه المقامات تتكون معنا “صُنِع بسحر“.

ونكمل الرحلة صحبة الحفيد –خالد الحلبي-، خالدٌ الشاب السوري كالشعب السوري انقضت عليه الحرب وشددت خناقها والعشرون ورشة في سوريا أيام العز تقلصت لست فقط لا ندري ما مصيرها، لذا شدّ الرحال خالد وولّى وعائلته وأحلامه وصنعته أو بكلمة أدق شغفه وهوايته شطر البلاد الآمنة في رحلة صعبة صعبة، بدايةً في لبنان البلد الوادع الذي ما عرف الاستقرار قط، ونهايةً في كندا بلد الاحلام.

وفي أونتاريو – كندا، يتحول مرآب البيت لورشة يُخلق فيها أجمل الأعواد، والإقبال يزداد واسم الحلبي يذيع فخالد الآن معروفٌ في مجتمعه الجديد ومشهور بين رواد صالونات الطرب الشرقي الأصيل، حتى أن جاستن ترودو -رئيس وزراء كندا- شخصياً تلقى هدية من خالد وهي عود من خشب المابل ليف الكندي و مشكلٌ بالعلم الكندي، منقوش عليه عبارة من النشيد الوطني الكندي.

العود الذي أهداه خالد الحلبي لجاستن ترودو

خالد أحد السوريين الذين حافظوا على تراثهم وأمسكوه بتفاصيل حياتهم وكم هم كثر!
إن كنت تعرف أحدهم ساعدنا لنسمعه، علّه يكون بطل قصتنا التالية.

المصادر: هنا، هنا، هنا، هنا